أزهار سبتمبر
قصيدة نثرية | وجدانيات | تأملات إنسانية | الحنين والفقد
في سبتمبر،
لا يغادر الأحبابُ دفعةً واحدة،
بل يتعلّمون
أن يتركوا القلبَ ينبض
بهدوء.
تتريث الشمس قليلا
تمشي الهوينا
كأنها تعرف أن الصيف
كان عابرًا
وأن علينا أن نتصالح مع العابرين.
في ركن الحديقة البعيد
كانت زهرةٌ صغيرة
تقاوم الذبول
تخبئ شذاها
بين طياتها البيضاء
لم تكن تحسب الأيام،
لم تكن تعرف حكمة الأشجار،
كانت فقط
تفتح قلبها كل صباح
وكأن الحياة وعدٌ لا يخلفه أحد.
قلت لها:
لماذا تزهرين الآن
والريح تستعد للرحيل؟
فلم تجب.
لكنها مالت نحوي
كأنها تقول:
ليس مهمًّا
أن تحتضن الربيع في موعده،
المهم
أن تحتضن فى داخلك
بنسمة من نسمات الربيع.
يا سبتمبر...
كم من الأشياء الجميلة
تأتي متأخرة!
وجهٌ نكتشف جماله
بعد أن نكون قد أحببناه طويلًا،
يدٌ تمتد إلينا
بعد أن نعتاد الوحدة،
كلمةٌ حانية
تصل بعد سنوات
من الصمت.
وكم من الذين ظنناهم مواسم
كانوا مجرد عابرين
فركوا في نفوسنا
أوراقًا يابسة.
أما الذين أحببناهم حقًّا
فلم يغادروا تمامًا.
ننتظرهم في رائحة المطر الأول،
في مقعدٍ فارغ،
في أغنيةٍ نسينا اسمها
وحفظنا وجعها،
وفي نافذةٍ نفتحها أحيانًا
لعلّ الغائب
يكون قد عاد.
في سبتمبر
تبدو السماء أقرب.
ربما لأن الغيوم
تخفض جناحيها قليلًا،
أو لأن القلب
بعد وجع طويل
يصير أكثر قدرةً على الإصغاء.
أمشي بين الأشجار
وأجمع ما تبقى من الضوء.
لا لأحفظه،
فلا شيء يُحفظ إلى الأبد،
ولكن لأعرف
أن ما يرحل
كان يومًا هنا.
وهذا يكفي.
تكفي زهرةٌ واحدة
لتقول للحديقة:
ما زال في العمر متسع.
وتكفي نافذةٌ مضيئة
في آخر الليل
لتقنع وحيدًا
أن العالم
لم ينطفئ كله.
لذلك أحب سبتمبر.
لأنه لا يعدنا بشيء،
ومع ذلك
يترك في أيدينا
أزهارًا صغيرة.
أزهارًا لا تعرف
أنها آخر الصيف،
ولا تخشى
أن تكون أول الخريف.
تزهر فقط...
كأنها تعرف سرًّا
لم نتعلمه بعد:
أن الجمال
ليس في أن نبقى،
بل في أن نمنح العالم
شيئًا جميلًا
قبل أن نرحل.